وهذا الواقع هو نتيجة لممارسات النظام في إرتريا، وتتمثل في الآتي:
إفتقاد الأسرة لوليّ الأمر بسبب التجنيد الإجباري أو الهروب أو الإخفاء القسري، مما يترك فراغًا تربويًا كبيرًا.
إغلاق المعاهد والمدارس الدينية والخلاوي وتغييب دور المساجد والأئمة والمعلمين والمشايخ، وهو ما يشكّل فاقدًا أخلاقيًا .
هروب الشباب في سنّ المراهقة إلى خارج الوطن، ما يحرمهم من التوجيه من قبل الوالدين والمجتمع.
و البعض يطرح قضايا لا تمتّ بصلة إلى التغيير، بل قد يستغرب الإنسان من مضمونها؛ كالخروج على الثوابت الوطنية ، والطعن في كل ما يتصل بالمعارضة ، وممارسة التشهير والإغتيال المعنوي . ولا ندري حقًا: فيمَ يعارض هؤلاء النظام؟ وهل الخروج في المظاهرات يمنح أحدًا الحق المطلق في بثّ سمومه يمنةً ويسرةً؟
فمن القضايا المطروحة مؤخرًا والتى إستوقفتنى كثيرا: تبنّي لغة التقرايت وفرضها كلغة رئيسية في الحوار والنقاش بدلًا من اللغة العربية. بل إنّ بعضهم يجاهر بعدم التحدث بالعربية لانها ليس لغتهم ، ويطالب الشباب إلى عدم التحدث بها ، ويقول يجب ان نفرضها على الآخرين كأمر واقع ، بحجة أن الناطقين بالتقرايت يشكّلون الأغلبية. ويذهب آخرون أبعد من ذلك فيطلبون "الأقلية" إلى الخضوع لحكم الأغلبية والإنصياع خلفهم.
لا ينكر أحد أنّ لغة التقرايت تمثّل لغة الغالبية في إرتريا، والجميع يقدّر عذوبتها وجمالها وسلاستها. وفي المقابل لدينا لغات إرترية أخرى ، وأهلها يشعرون بنفس الضيم .
ويتمسكون بلغاتهم وثقافاتهم ويسعون للحفاظ عليها مما يجعل كل شاب يبحث عن مجموعته الإثنية وقوميته.
والسؤال الذي يطرح نفسه:
هل تستطيع التقرايت أن تكون لغة مشتركة لجميع المسلمين في إرتريا؟
وهل يمكن لبقية المكوّنات أن تتبنّاها كبديل وطني عن اللغة العربية، وأن تتنازل عن لغاتها الخاصة لصالح التقرايت؟
ألن يقود مثل هذا الطرح في النهاية إلى تكريس هيمنة التقرنيجة وتنفرد بلا منازع؟
إذا كان كلّ طرف يسعى إلى تمكين لغته وفرض ثقافته بدلًا من تبنّي اللغة العربية ، فهل سيكون هذا الخيار خيارًا صحيحًا لنا جميعًا؟ أم أنه سيعيد إنتاج الهيمنة نفسها، ويعمّق الشرخ بدل من المعالجة؟
إن أردنا مناقشة هذه القضايا، علينا أولًا أن نعود إلى التاريخ لنعرف لماذا تبنّى آباؤنا اللغة العربية خيارًا استراتيجيًا، وما الأسباب التي دفعتهم إلى ذلك؟. وإن كنّا جميعًا نشتكي من الإقصاء والتهميش، فهل يكون ردّ الفعل لرفض اللغة العربية؟
نحن عندما نتبنّى اللغة العربية ليس لأننا قوميون أو بعثيون أو عرب، وليس لأننا نعاني من أزمة هوية، بل لأن العربية تمثّل جسرًا ثقافيًا وروحيا إلتفّ حوله أجدادنا طوعًا منذ أربعينيات القرن الماضي، دون أن يذوب او يلغى هذا الخيار تنوّع مكوّنات المجتمع الإرتري . كما أنّ العربية تمثّل جسرًا ثقافيًا واقتصاديًا وروحيًا يربطنا بمحيطنا العربي.
في إعتقادي، ان الطرح الداعي لفرض التقرايت كلغة حوار عوضا عن العربية ، هو مجرد ردّ فعل، تجاه لغة االتقرنيجة، نتيجة الشعور بالظلم والتهميش والإقصاء الذي قام به النظام ، فأصبح الرفض والكراهية ينطلقان من هذه الزاوية وليس وفقا لرؤية او مشروع سياسي . غالبا ما تبرز هذه القضايا عندما يتراجع المشروع الوطني الجامع او عندما يكون هناك إنسداد فى الأفق السياسي .
وللأسف فإن هذا النوع من الطرح بدأ يجد رواجًا كبيرًا وصدى واسعًا في الآونة الأخيرة ، خاصة لدى وسط الشباب فى المنصات ، والبعض من كنا نعتقد انه صاحب رؤية نجده يرضخ لذلك فى سبيل إرضاء هذا التيار.
وعندما نتأمل المشهد العام لمنصات التيك توك الإرترية، نجد مجموعات صغيرة ذات تأثير محدود ، تعاني من ضعف في مستوى الوعى تتصدر الساحه .
وبسبب هذا الطرح وغيره هناك إنقطاع واضح بين الشباب ؛ وصارت المنصات أشبه بجزر متباعدة ، وتغلب عليها لغة الأم . وكل مجموعة تتغنى بعيدا عن الاخرى ومتقوقعة على نفسها، إلا القلة القليلة.
إنّ القضية العادلة لا تحتاج إلى الإنحدار إلى هذا المستوى، ولا إلى الإنصراف نحو طروحات تقسم ولا توحّد ، ولا إلى الإنكفاء على الذات بحجة التمسك بلغة الأم، بل تحتاج إلى رؤية موحدة، وإلى الإلتفاف حول القضايا المصيرية والثوابت الوطنية ، وتعزيز المشتركات، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة.
.... لا ضاع حق وراءه مطالب ....

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق