19‏/09‏/2026

المفكر التيجاني عبدالقادر ... ورحيل الأفكار

كان رحيل الوالدة عليها رحمة الله الواسعة مفاجئا وسريعا ، وما بين الألم الذي أصابها والفراق المر  دقائق معدودات  ، ولم أكن حينها  مستحضرا  انها ربما تكن اللحظات الأخيرة التي أقف أمامها وأمسك بيدها وتصافح عيني عينها  ، وانا اقف هذا  الموقف بين الشك واليقين ، رأيت الطبيب المشرف يهمس في اذن زميله بقوله She passed Away  مع انه قالها بصوت خافت ، ولكن وصلتني كقوة المدفع ، وكدت لا أصدق ، وسبقني الدمع قبل التصديق  ومسحت الدمع بأناملي وظننت انها اخر المخزون من الدموع ،  لكن أقدار الله نافذة ، اليوم أيضا تتكرر المشاهد نفسها ، صُدمت بوفاة استاذنا المفكر التيجاني عبدالقادر وانا اتصفح الوسائط الإخبارية ، بالطبع لم أصدق ولعنت الموقع _ ناقل الخبر الحزين _  كما يفعل استاذنا الواثق كمير  ، وشرعت  بالاتصال على الاستاذ جمال سعيد  وأكد لي بأن الخبر صحيح ، وزاد بعبارة *( رحل التيجاني في لحظة كان السودان في حاجة  إلى مثله*) ، صحيح رحل في وقت حرج ، ولما له من بصر وبصيرة وما يمثله من ثقل اكاديمي ومعرفي وتجارب غنية كان يمكن أن يلهم البلاد برؤى تساعد على الخروج من الواقع المأزوم *وللحقيقة لم يحتل مني اي قلمُ  مساحة من الوجدان الفكري إن صحت العبارة مثل ما احتلها قلم  شيخنا التيجاني عبدالقادر* .

الدكتور التيجاني عبدالقادر من جيل  الاستثنائيين ، ومفكر متفرد نظار  وناقد شجاع  قل نظيره ، له مساهمات نيرة في الفكر الإسلامي والإنساني  ، ولعل كتابه المبكر *( قيمة الزمن في الفكر الإسلامي )* كان بحق كما وصفه المفكر الكبير  طه جابر العلواني *رسالة قرنية* ، ومثلها كثير  ، لكن  انا وجيلي تقريبا  تعرف أكثر  على التيجاني من خلال مقالاته النقدية الشهيرة  في الصحافة السودانية ،  ناقداً التجربة الإسلامية في الحكم  وجُمعت المقالات فيما بعد  في كتاب  "نزاع الإسلاميين في السودان" _ مقلات في النقد والإصلاح .  والحقيقة احدثت تلك  المقالات حراكا واسعا في وقتها بين مؤيد وساخط ، وكتب كبار رجالات الدولة وكبار رجالات الحركة الإسلامية في الرد عليه ،  وحينها قال عبارته الذائعة *الحمدلله ان ما يكتبه الصغار يقرأه الكبار .* ورغم بعض الردود كانت قاسية وبعضها كان تهكما وسخرية كعادة ما يفعل حواري السلطان ،  بالمقابل كانت تعقيبات التيجاني بردا وسلاما وموضوعية لمن أراد الإستقامة ، وصدق الاستاذ عمر الدقير عندما قال عنه معزيا كان التيجاني *( عف اللسان )* ،
والتيجاني عبدالقادر لم يتكئ على كرسي المفكر من فراغ ، وإنما بعد جهد مبذول ونظر موصول ولم يجعل الكرسي نفسه اخر المحطات ،  بل ظل يطارد الظواهر السياسية والاجتماعية تحليلا وتفكيكا وردها إلى الكليات في منهج اصولي  متكامل .
تعود المعرفة الأولية على الدكتور التيجاني من خلال كتبه ومقالاته ، ولكن شاءت أقدار الله ان التقي به وجها لوجه في  جامعة الخرطوم  محاضرا في الندوة المشهودة _  *ظاهرة  إنهيار الدولة في المجتمعات العربية* _ مقاربات. ورغم الزحام وكثرة الحضور والمحيطين به ،إلا أنه كُتب لي اللقاء به ، وحصل تعارف خفيف كما يقال ، المهم بادلني سلام بسلام وسألني عن مكان اقامتي ، فحفظت له ذلك.. ما يهم في الأمر حضرت الندوة وكتبت تنويرا في وقتها عن الندوة والمناقشات المصحوبة لها .

مما لاشك فيه يعد الدكتور التيجاني من الأسماء البارزة في مجالات العلوم السياسية كما يعد عمدة المؤرخين لقضايا الفكر الإسلامي ، وترك ارثاً نافعا في قضايا الدولة والمجتمع والإنسان  إلى جانب اشتغاله على منهج تحليلي يساعد على فهم وقراءة وإستيعاب التحولات السياسية . ولعل هذا الاتجاه هو آخر ما كان يعمل عليه ، وها نحن نكتب عنه ونحزن عليه ، مدركين في الوقت نفسه لمشيئة الله في الخلق ، لكن نخشى ان تلحقه الأفكار .

*اللهم تقبل عبدك الصالح التيجاني عبدالقادر  واحسن اليه كما احسن إلينا ويزيد* .

بقلم / الاستاذ عبدالواسع شفا
_   الخرطوم  18/09/026


ليست هناك تعليقات: