كان
رحيل الوالدة عليها رحمة الله الواسعة مفاجئا وسريعا ، وما بين الألم الذي
أصابها والفراق المر دقائق معدودات ، ولم أكن حينها مستحضرا انها ربما
تكن اللحظات الأخيرة التي أقف أمامها وأمسك بيدها وتصافح عيني عينها ،
وانا اقف هذا الموقف بين الشك واليقين ، رأيت الطبيب المشرف يهمس في اذن
زميله بقوله She passed Away مع انه قالها بصوت خافت ، ولكن وصلتني كقوة
المدفع ، وكدت لا أصدق ، وسبقني الدمع قبل التصديق ومسحت الدمع بأناملي
وظننت انها اخر المخزون من الدموع ، لكن أقدار الله نافذة ، اليوم أيضا
تتكرر المشاهد نفسها ، صُدمت بوفاة استاذنا المفكر التيجاني عبدالقادر وانا
اتصفح الوسائط الإخبارية ، بالطبع لم أصدق ولعنت الموقع _ ناقل الخبر
الحزين _ كما يفعل استاذنا الواثق كمير ، وشرعت بالاتصال على الاستاذ
جمال سعيد وأكد لي بأن الخبر صحيح ، وزاد بعبارة *( رحل التيجاني في لحظة
كان السودان في حاجة إلى مثله*) ، صحيح رحل في وقت حرج ، ولما له من بصر
وبصيرة وما يمثله من ثقل اكاديمي ومعرفي وتجارب غنية كان يمكن أن يلهم
البلاد برؤى تساعد على الخروج من الواقع المأزوم *وللحقيقة لم يحتل مني اي
قلمُ مساحة من الوجدان الفكري إن صحت العبارة مثل ما احتلها قلم شيخنا
التيجاني عبدالقادر* .
الدكتور
التيجاني عبدالقادر من جيل الاستثنائيين ، ومفكر متفرد نظار وناقد شجاع
قل نظيره ، له مساهمات نيرة في الفكر الإسلامي والإنساني ، ولعل كتابه
المبكر *( قيمة الزمن في الفكر الإسلامي )* كان بحق كما وصفه المفكر
الكبير طه جابر العلواني *رسالة قرنية* ، ومثلها كثير ، لكن انا وجيلي
تقريبا تعرف أكثر على التيجاني من خلال مقالاته النقدية الشهيرة في
الصحافة السودانية ، ناقداً التجربة الإسلامية في الحكم وجُمعت المقالات
فيما بعد في كتاب "نزاع الإسلاميين في السودان" _ مقلات في النقد
والإصلاح . والحقيقة احدثت تلك المقالات حراكا واسعا في وقتها بين مؤيد
وساخط ، وكتب كبار رجالات الدولة وكبار رجالات الحركة الإسلامية في الرد
عليه ، وحينها قال عبارته الذائعة *الحمدلله ان ما يكتبه الصغار يقرأه
الكبار .* ورغم بعض الردود كانت قاسية وبعضها كان تهكما وسخرية كعادة ما
يفعل حواري السلطان ، بالمقابل كانت تعقيبات التيجاني بردا وسلاما
وموضوعية لمن أراد الإستقامة ، وصدق الاستاذ عمر الدقير عندما قال عنه
معزيا كان التيجاني *( عف اللسان )* ،
والتيجاني
عبدالقادر لم يتكئ على كرسي المفكر من فراغ ، وإنما بعد جهد مبذول ونظر
موصول ولم يجعل الكرسي نفسه اخر المحطات ، بل ظل يطارد الظواهر السياسية
والاجتماعية تحليلا وتفكيكا وردها إلى الكليات في منهج اصولي متكامل .
تعود
المعرفة الأولية على الدكتور التيجاني من خلال كتبه ومقالاته ، ولكن شاءت
أقدار الله ان التقي به وجها لوجه في جامعة الخرطوم محاضرا في الندوة
المشهودة _ *ظاهرة إنهيار الدولة في المجتمعات العربية* _ مقاربات. ورغم
الزحام وكثرة الحضور والمحيطين به ،إلا أنه كُتب لي اللقاء به ، وحصل تعارف
خفيف كما يقال ، المهم بادلني سلام بسلام وسألني عن مكان اقامتي ، فحفظت
له ذلك.. ما يهم في الأمر حضرت الندوة وكتبت تنويرا في وقتها عن الندوة
والمناقشات المصحوبة لها .
مما
لاشك فيه يعد الدكتور التيجاني من الأسماء البارزة في مجالات العلوم
السياسية كما يعد عمدة المؤرخين لقضايا الفكر الإسلامي ، وترك ارثاً نافعا
في قضايا الدولة والمجتمع والإنسان إلى جانب اشتغاله على منهج تحليلي
يساعد على فهم وقراءة وإستيعاب التحولات السياسية . ولعل هذا الاتجاه هو
آخر ما كان يعمل عليه ، وها نحن نكتب عنه ونحزن عليه ، مدركين في الوقت
نفسه لمشيئة الله في الخلق ، لكن نخشى ان تلحقه الأفكار .
*اللهم تقبل عبدك الصالح التيجاني عبدالقادر واحسن اليه كما احسن إلينا ويزيد* .
بقلم / الاستاذ عبدالواسع شفا
_ الخرطوم 18/09/026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق