24‏/04‏/2020

منصور خالد .... وحياة الأفكار*

 كثيرا ما كان يلعن استاذنا الواثق كمير وسائل
الواتساب ، والسبب غالبا ما تصله الأخبار المفجعة عبر هذه البوابة اللعينة حد وصفه ، *ولم اكن
راضيا او متفقا معه على هذا الوصف القاسي  لمنصة لا تحمل وزرا  اكثر من غيرها ، ولا تحتمل كل هذا الشقاق*  ، ومن ناحية ارتبط الناس عطفاً  واوفروا  حبا زائدا لهذا الوسيط ، غير أن هذا التحفظ على لعن الواتساب  لم يدم عندي طويلاً ، وسرعان ما صرخت في وجهه  واصحبت اللعن الواتساب مثله حزو النعل بالنعل ،  كيف لا وانا اتصفح اليوم الواتساب المحبوب لدي قديما والملعون حديثا  ينقل لي رحيل المفكر الضخم  منصور خالد  بلا مقدمات ،  آللهم لا معقب لحكمك  تفعل ما تشاء ، رحل منصور في صمت على خلاف منهج حياته ، رحل بعد ان عاش حياة مليئة بالتدافع والحركة والإنتاج والتوثيق ، لاشك برحيله يمكن أن نقول او أن نجازف بالقول  ان  الساحة *تيتمت تماما* ، ودور الفكر والثقافة فقدت نظاراً ومثقفا نادر قل ما يجود به الزمان ، *سبعة عقود ومنصور يقود حركة التنوير والتجديد وإزالة التغبيش .*

  *غادر الدكتور منصور بعد ان عاش حياة مرهقة متعبة لم يرتاح فيها ابدا ،  حان وقت راحتك استاذنا منصور*  ، بعد ان اتعبتك النخب الفاشلة التي طالما حاورتها في أدب  منذ فجر الاستقلال ، كيف لا ونحن تفتحت عينانا علي منتوجك وسفرك العظيم  *حوار مع الصفوة*  و *( لا خير فينا ان نقلها ولا خير فيكم ان تسمعوها )*  ثم كتاب  *نميري .. وتحريف الشريعة* وكتاب  *( السودان  اهوال الحرب وطموحات السلام ... قصة بلدين )*  *والكتاب الفاصل  ( جنوب السودان في المخيلة العربية ) ، كأعظم إنتاج مرصوص ونقد علمي وحفر معرفي في تناول الهويات المزيفة المتنكرة لتضاريس السودان* . نشهد لك كنت سيفا مسلولا أمام التدليس التاريخي والحضاري والمعرفي ، فلم تحابي نخبة ولم تجامل دولة ، *ولم تكن افنديا تعبد المناصب وتطمح المواقع فيها .*

الدكتور منصور خالد شخصية ذائعة اخذت شهرتها في الآفاق ،  ولعل هذا الذيوع مرده إلى الحالة الطلاقية والإستثنائية  في حياة منصور ، فهو شماليُ قح ولكنه  ناصر الجنوبيون من شركاء الوطن رغم اقليتهم وقتذاك  ، لم يكن يؤمن بأغلبية وأقلية في حدود وبين أبناء الوطن الواحد ،   وفضح عنصرية الصراع عند الشماليين واستعلائهم اللغوي  واللوني ، *لم يكتفي بهذا بل شكك في جذور المكون وأصول النسب الموهوم  .*
ما يميز منصور غير محصور ، لكن العلامة الفارقة في نظري  هي تميزت الشخصية العلمية السودانية *بالكسل الكتابي* ان صحت العبارة ، وعليه نجد شخصيات معرفية ذات وزن ثقيل ولكن إنتاجها جد قليل ، فالعلاقة في العقل السوداني  ظلت معدومة بين الكسب والإنتاج ،  فالاديب الرقم عبدالله  الطيب رغم اعتراف كبار الادباء  في عصره بعلمه ،  لكنه لم يتجاوز انتاجه عدد اصابع اليد الواحدة  ، وعلى هذا يمكن قياس   محمد احمد المحجوب وعبدالخالق محجوب ،  وحتى الترابي الذي ملأ الدنيا حديثا كان قليل الكتابة والتدوين  ، إذا *منصور خالد علامة فارقة ومتميزة في هذا المضمار ، واستطاع ان يكسر الصورة الشفهية  المتخيلة والمرسومة للمثقف السوداني ، فكان نعم المثقف ونعم الإنتاج .*

هذا التميز والنبوغ المبكر والتوفيق المكتوب ولد لدى منصور اعداء حساد ،  ظلوا يلصقون تهماً وافكار  اقل ما يقال عنها *غيرة جِيلية*.

ستظل مساهمات الدكتور منصور خالد إضاءات تتجلى معانيها  بتجدد الزمان والمكان والانسان ، فلئن تنكرت النخبة المعاصرة له  وخلطت بين صافي الافكار وعلوها وتقدمها من أفكار الرجل وبين المواقف الشخصية والحياة العملية والميدانية له ،

الفيصل في عموم الحياة هو إعمال النقد الصادق واخذ ما ينفع من افكار ، *ومنصور  بلا شك ترك ما ينفع الناس  .*


اللهم اغفر له وارحمه وتجاوز عنه الاخطاء والهنات ،،،،

بقلم / الاستاذ عبدالواسع  شفا

ليست هناك تعليقات: