08‏/04‏/2014

القائد الرمز الشهيد احمد محمد ناصر

بقلم المهندس / سليمان فايد دارشح 29.3.2014


هنالك رجال يضعون أسماءهم في سجل التاريخ كعلامات مضيئة يستقي منها الناس مبادئ الوفاء والعطاء، ويظلون أقماراً ساطعة في ذاكرة الأمة تاركين وراءهم سيرة عطرة وكتاباً مليئاً بالقيم والفضائل والرجولة. ومن هؤلاء الرجال العظام الذين خلدهم التاريخ في أنصع صفحاته بحروف من ذهب القائد الشهيد أحمد محمد ناصر أبوبكر.

خاض نضالاً وجهاداً لا يلين طوال أكثر من نصف قرن على مختلف الجبهات والأصعدة، وهو واحد من قيادات الثورة الارترية التاريخية الذين أعادوا الحياة لاسم ارتريا ولقضية شعبها في الوعي الانساني ووضعو القضية الارترية على الخارطة السياسية العالمية.

والقائد أحمد محمد ناصر منذ ولادته حتى استشهاده كأن ارتريا كانت على موعد مستمر معه ومع ذاتها، فقد حمل في مسيرة حياته كلها ارتريا وطناً وقضية وأملاً وهماً. قضية شعبه بالنسبة له كانت قضية حياة يومية يعيش فيها وقضية مفصلية في حياته عليها يصادم ومنها يسالم وعليها يراضي وبها يخاصم ولعل ظروف النشأة الأولى لأحمد محمد ناصر في بيت ممتليء بالحماس الوطني المتدفق هي التي جعلت وأبقت ارتريا حبيبة عزيزة على قلبه وعقله لذلك رفض التنازل عن قضاياها حتى آخر لحظة في عمره.


هو رجل من من أغلى الرجال رجل فيه خصائص أهل ارتريا الأصيلة ، لا نزكي على الله أحد ، فهو وطني غيور نذر حياته لخدمة وطنه وشعبه، يؤمن بالعدل والمساواة والديمقراطية

بين الناس ويكره الظلم والظالمين، علاوة على قدرته على الصدح بالحق بشجاعة نادرة، إذ لم يكن يأخذه في الحق لومة لائم، شهم عظيم الهمة، جم التواضع ، قليل الكلام ، كبير العمل ، عفيف اللسان واليد ، كريم ، ظاهر الدين ، زاهداً لا تشغله مباهج الدنيا رحيم بأبنائه مواصلاً لرحمه وفي لأصحابه ومعارفه شديد في الحق عصي على الأعداء، شجاع لا يهاب الوغى، رجل واضح الرؤية جسور المواقف نادر المثل اجتمعت القلوب على حبه ولهجت الألسن بالثناء على شخصه كيف لا وهو يعمل بلا كلل ولا ملل تعلو ميحاه ابتسامة وضاءة وينطق لسانه بكلمات طيبة، وهو في شغل دائم وحركة دائبة حتى يعطي صورة من الصور الحقيقية للإنسان الارتري المواظب على الحياة بقوة وحيوية ويعكس أصل الصورة الاريرية الايجابية المتفاعلة مع تفاصيل الحياة اليومية :
وهو كما قال الشاعر:
كان حلو الحديث سمح السجايا ** يمنح الود خالصاً من نفاق

وصبوراً على الشدائد جلداً ** قائداً رهطه لخير وفاق

وزعيماً أن الزعامة كسب ** نال ما يبتغيه باستحقاق

ونصيراً لكل صاحب حق ** ومعيناً لكل ذي إملاق

أحمد ناصر القامة والبطل المغوار كرس حياته بتفان كبير وإنكار ذات لا يضاهي لعيش وطنه في كنف الحرية والعزة والكرامة والشموخ وترك بصمات لا تمحى أثرها لدى الشعب الارتري.

أن المجتهد لحصر تاريخ هذا الرجل في موسوعة كتابية ينتابه الفشل، فأحمد ناصر أكبر وأعظم وأسمى من كل الكتابات فهو التاريخ المشرق لهذا الشعب، تاريخ الأصل والنضال

والتضحيات فإن تحدثت عن الروح الانسانية به تجده أعظم إنسان وإن تحدثت عن الروح العسكرية به تجده أشجع الشجعان وإن تحدثت عن السياسة به تجده أفضل المحنكين، وإن تحدثت عن الثقافة تجده واسع الاطلاع والمعرفة، فكان - رحمه الله – يجمع في ذاته كل القيم الانسانية والعسكرية والسياسية فكان نعم القائد الوفي المقدام والمناضل الشريف.

ملأ نفوس أعداء شعبه – قديمهم وحديثهم - رعباً وخوفاً وذعراً .

ولد في مدينة عدي قيح عاصمة مديرية أكلي قوزاي عام 1936م ونشأة وترعرع في أسرة كريمة مرموقة وهي أسرة تميل الى التدين والتعليم والخير، أسرة لم تتأخر عن البذل في سبيل الوطن، ويقال أن بعد وفاة والده كان ملازماً منذ صغره جده الشيخ أبوبكر ناصر وهو أحد رموز الكتلة الاستقلالية المعروفين ، ويقول أحمد ناصر : (أن جده غرس في نفسه حب الوطن وحب الناس والقيم النبيلة).

تلقى القائد الشهيد أحمد محمد ناصر تعلميه الأولي والمتوسطة بمدرسة عدي قيح ثم انتقل الى مدينة أسمرا حيث اكمل تعليمه الثانوية.

لقد وعي أحمد ناصر جيداً أبعاد المؤامرة الدولية التي حلت بشعبه عام 1952م عندما ربطه بعجلة الامبراطورية الأثيوبية فقرر وهو صبي صغير أن يسخر حياته لمواجهة المؤامرة فبادر بالانضمام إلى الحركة الوطنية، فظهر كناشط سياسي متميز، خاض مع زملائه الطلاب الوطنيين مواجهات عديدة ضد رموز دعاة ربط ارتريا بعجلة النظام الامبراطوري المتخلف وتعرض كغيره من الطلاب الوطنيين للاعتقالات والتهديدات من قبل سلطات الاحتلال ومنظماتها السرية العميلة التي عملت ايادي الامبراطور وحلفائه على نشوئها ودعمها بالمال والسلاح لتنشر الرعب والفساد في البلاد.

بعد أن استنفذ الشعب الارتري ما يزيد عن عشرون عاماً من النضال السلمي لتأمين حقوقه في تقرير المصير والحرية. فجر في الفاتح من سبتمبر 1961م ثورته المسلحة بقيادة الشهيد البطل حامد ادريس عواتي بن فايدوم ، فكان القائد الشهيد أحمد ناصر عضواً نشطاً في الخلايا السرية في مدينة أسمرا التابعة لجبهة التحرير الارترية. ففي عام 1966م سارع بالانضمام الى صفوف جيش التحرير الارتري للجود بروحه والجود بالروح أغلى غاية الجود. ولدوره المشهود والفعال في الخلايا السرية لجبهة التحرير الارترية في أسمرا ولمؤهلاته العلمية وانضباطه تم اختياره ضمن مجموعة من المقاتلين للالتحاق بالكلية العسكرية في العراق، تخرج برتبة ملازم وعاد الى الميدان في عام 1968م. تم تعينه عام 1969م في لجنة اعادة تنظيم وهيكلة جيش التحرير الارتري.

عرف في أوساط جيش التحرير الارتري بانه مقاتل شرس وقائد يتفاعل معه جنده ويثقون بالنصر تحت قيادته بالاضافة الى ذلك كان فريداً في تعامله مع جماهير الشعب فأحبوه.

واذا تقدم بالمواعظ مرشداً ** غصن رطيب في الحديقة مثمر

واذا أبنرى في الجيش وهو محرض ** ليث الضواري في الشعاب يزمجر

الرجل أثبت في فترة وجيزة كفاءته الادارية العالية في مختلف المواقع العسكرية والسياسية والتنظيمية التي عمل بها. وفي المؤتمر الوطني الأول الذي عقد عام 1971م انتخب عضواً في هيئة أركان جيش التحرير الارتري وفي المؤتمر الوطني الثاني عام 1975م انتخب رئيساً لجبهة التحرير الارترية أقوى وأكبر تنظيم ارتري آنذاك. حيث كانت ينتشر مقاتليه من أديبرا الى عصب.

وفي الفترة من 1982م – 2001م انتخب رئيساً لجبهة التحرير الارترية (المجلس الثوري) وفي عام 2006م أصبح رئيساً لجبهة الانقاذ الوطني ، وعند تكوين التحالف الوطني تم انتخابه مسئولاً للعلاقات الخارجية.

وفي عام 2012م قدم استقالته من رئاسة جبهة الانقاذ الوطني وأصبح عضواً في الجبهة ويقال أن سبب استقالته كان رغبةً منه في لافصاح المجال لتأتي وجوه جديدة في قيادة التنظيم وهذا القرار الذي اتخذه القائد الشهيد أحمد ناصر بحق كان بادرة طيبة تحدث لأول مرة في تاريخ التنظيمات السياسية الارترية.

كان القائد الشهيد أحمد ناصر صاحب فكر ثاقب ويتمتع بثقافة واسعة ، وكان سياسياً ماهراً كانت له علاقات برؤساء بعض الدول العربية ووزارء خارجيتها ورؤساء الأحزاب السياسية والصحف العربية والعالمية.

كان – رحمه الله – محبوباً من مختلف ألوان الطيف السياسي والمكونات الدينية والاجتماعية في البلاد وحريصاً بأهمية ترسيخ الحس الوطني في نفوس مختلف شرائح الشعب بكل وسائل التواصل المتاحة وذلك لخلق حركة وطنية حقيقية تفتح أعين كافة الفئات والشرائح على ما ينبغي بذله من جهد لمواجهة أعداء الحرية والديمقراطية في ارتريا.

الرجل كان أحد رموز الكفاح الوطني المؤمنين بقضايا وطنهم الأساسية وفي مقدمتها الحرية والديمقراطية الحقيقية لذلك كرس حياته للنضال من أجلها منذ انخراطه في العمل الوطني وهو في ريعان شبابه . وفي هذا الاطار كان يرى أنه لا توجد سيادة دون الوصول الى الحرية والاستقلال ، كما كان يرى أن النضال من أجل الاستقلال مرتبط ارتباطاً عضوياً بالمطالبة بإقامة دولة العدل والقانون والنظام، تضمن الحرية الفردية والجماعية والتعددية الحزبية وتصان فيها كرامة المواطن في ظل دستور ديمقراطي.

وأيضاً كان يرى مطالب الشعب الارتري في الحرية والديمقراطية والعدالة المساواة هي مطالب ملحة لأن تكريس الفردية ونشر الرعب وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات العامة والخاصة التي يمارسها نظام الحكم في ارتريا عادة عقارب الساعة الى الوراء في البلاد.

هكذا شكلت مسألة الديمقراطية في فكر القائد الشهيد أحمد ناصر أحد الثوابت الاساسية التي أمن بها ولم يتوقف من النضال من أجل تحقيقها حتى اخر لحظة من حياته باعتبارها أحد أبرز القيم الإنسانية والذي يحاول يائساً نظام الهقدف باجراءاته القمعية والارهابية ان يحرم الشعب الارتري منها.

مقولة رددها كثيراً القائد الشهيد أحمد محمد ناصر لتوضيح مرتكزات الوحدة الوطنية لبلاده ، ادراكاً وحرصاً منه لما يشهده من مخاطر التجزئة المتجلية اساساً في تعدد تنظيمات المعارضة الارترية وغياب الحد الأدنى من الوفاق والثقة فيما بينها . وكان يرى ضرورة مواجهة النظام الديكتاتوري الشمولي في اسمرا باداة موحدة قوية ، الرجل كان وحدوياً للنخاع كان يسعى لتوحيد الصفوف والقلوب والكلمة ، الرجل كان صادقاً وأميناً وصامداً في بلورة التضامن ووحدة الرؤية .

إذا كانت قيمة الأمم والشعوب تقدر برجالها التاريخين فقد فقد الشعب الارتري بفقدان الزعيم أحمد ناصر أحد كنوزه التاريخية ، فقد زعيماً بحق وحقيقة وبرحيله مشعل للبذل والعطاء قد انطفأ وقلب عامر بالمحبة والتسامح والوفاق قد توقف عن الخفقان، فارس مشت الشجاعة والرجولة في ركابه قد ترجل عن التوهج والاشعاع.

أسمح لي أيها القائد الكبيرأن أقول لك رحيلك عن عالمنا أوقد فينا جذوة المضي في ذات الطريق والتمسك بالحرية والديمقراطية ولا بديل آخر. ونؤكد لك في عليائك نحن ان شاء الله سنظل على العهد وسنعمل من أجل الوطن وقضايا الوحدة والحرية والديمقراطية.

وأسمح لي مرة أخرى أن أقول لأعداء الحرية والديمقراطية والانسانية أن خيول المناضلين الشرفاء رفاق أحمد ناصر نادت بالصهيل، فإن استشهد القائد أحمد ناصر ففي الطريق مليون أحمد ناصر .. و أحمد ناصر.

إن كان سيفك قد توقف ضربه ** فسيوفنا حرب على الطغيان

القائد لم يمت فهو حي في ضمير أمته منارة تضيء للناس السبيل ، أحمد ناصر في الدروب أكثر من دليل . ومن يحسب أن الموت يقتل مناضلاً شريفاً فهو أمر مستحيل ، ومن يحسب أن شعباً أصيلاً خان نضاله وقبل الذل والهوان فاليعجل بالرحيل.

توفى هذا الزعيم الوطني الكبير الى رحمة ربه في منفاه القسري في السويد يوم 26 مارس 2014م ودفن بها بعيداً عن أرض الوطن لتصبح رفاته عهدة في ذلك البلد البعيد حتى يتم نقلها بعد ولوج عهد الحرية والديمقراطية والسلام والوئام الى ارتريا التي أحبها وعاش من أجلها الشهيد.

في نهاية حديثي أتقدم الى أسرته الكريمة ورفاق دربه وأصدقائه ومعارفه بصادق العزاء. ألا رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والأبرار وألهم آله وذويه وأبناء شعبه الصبر الجميل . "إنا لله وإنا إليه راجعون"

 

ليست هناك تعليقات: